اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

79

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

منهما قد أخذ في شكله العربي اسم « المجسطى » Almadjisti ( أحيانا بكسر الميم « المجسطى » Almidjisti ) وفيما بعد دخل أوروبا الوسيطة في صورة المجسط Almagest 83 وهذه التسمية تعطينا بلا شك صيغة التفضيل ( Superlative ) في اللغة اليونانية ( أي « الأعظم » ) . وقد أطلقت على المصنف علامة على الاحترام والتقدير الذي فاز به ، وهكذا فهم العرب الأمر 84 . ولعل التسمية ترتفع إلى المترجمين العرب إذ لم تقابل إلى الآن في المصادر اليونانية ؛ وقد أطرح الآن الرأي القائل بأن التسمية مركبة من اللفظين على طريقة النحت 85 . ومنذ عام 1928 لاحظ أحد البحاثة بالكثير من الاكتئاب أنه « لا يوجد شئ أكثر خلطا ولا اضطرابا من مسألة الترجمات العربية لكتاب المجسطى لبطلميوس » 86 ويرجع هذا الاضطراب إلى أن معظم هذه الترجمات كما هي العادة لم تصل إلينا بل عرفت فقط من بعض الإشارات والشذرات المأخوذة عنها ، فضلا عن أن الترجمات المصلحة المختلفة التي نما عددها على مر الزمن - - قد طغت في بعض الأحايين على الأصل تماما وقضت على إمكانية الحكم عليه . ويصدق هذا القول على الترجمة الأولى المعروفة باسم « النقل القديم » وهي التي عملت ليحيى بن برمك 87 ( توفى عام 190 ه - 805 ) ، أي قبل عام 187 ه - 803 دون شك ، وهو عام نكبة البرامكة . وهناك أساس للقول بأن هذه الترجمة تمت عن السريانية 88 ، وهي كانت ما تزال في أيدي الفلكيين الأوائل مثل البتانى والصوفي 89 غير أنها بإجماع الآراء لم تكن ذات قيمة كبرى . وتفوقها الترجمة التي عملت في عصر المأمون والتي قام بها الحجاج بن يوسف « * » حوالي عام 212 ه - 827 - 828 ، وحفظت لنا في بضعة مخطوطات لا تمثل الأصل دائما 90 ، ويبدو أنها هي أيضا قد نقلت عن السريانية 91 . ولم يقف الجهد عند هذا فقد شارك في ترجمة المجسطى عالم يمكن اعتباره أكبر مترجمى القرن التاسع قاطبة وهو حنين بن إسحاق ( حوالي عام 194 ه - 810 - 260 ه - 873 ) 92 ، وقد صلح ترجمته بالتالي الفلكي الشهير ثابت بن قرة الصابى الحرّانى ( 219 ه - 834 - 288 ه - 901 ) الذي سنلتقى به عند الكلام على مصنفات بطلميوس في الجغرافيا . والعلاقة بين ترجمتى حنين وثابت غير واضحة إذ أن ثابتا نفسه قد نسب إليه عدد من المؤلفات الشخصية حول المجسطى 93 . ومهما يكن من شئ فإن هذا الوضع يقف دليلا على ما بلغته حركة الترجمة من حيوية وانتظام ابتداء من عصر المأمون ، ويؤكد الاهتمام العميق بكتاب المجسطى الذي ترك أثرا محمودا في تقدم الفلك والرياضيات 94 لا بين العرب وحدهم بل وفي أوروبا الوسيطة . ومن فضل القول أن نضيف أن الترجمات العربية لعبت أيضا دورها في أوروبا الوسيطة ، فأولى ترجمات المجسطى العربية إلى اللاتينية قام بها جيرارد الكريمونى منذ عام 1175 95 .

--> ( * ) هو الحجاج بن يوسف بن مطر الذي عاش في عهد الرشيد والمأمون بين حوالي عام 170 ه - 786 و 220 ه - 835 ، وهو مترجم أصول إقليدس في الهندسة . ( المترجم )